يفرحون بالبلوى كالحلوى

يفرحون بالبلوى كالحلوى

ليس الفرح بالبلوى حالة مكتسبة ولا ادعاءً أخلاقيًا ولا تمرينًا نفسيًا على التحمّل، بل هو ثمرة قلبٍ ذاق، فلما ذاق عرف، ولما عرف أحب، ولما أحب لم يعد يفرّق بين العطاء والمنع. فالبلوى في ميزان العارفين ليست نقيض النعمة، بل صورتها المتخفّية، كما أن الليل ليس عدو النهار بل رحمُه، وكما أن الغياب ليس فراقًا بل شكلًا آخر من الحضور. ومن هنا يتجلّى سرّ العنوان يفرحون بالبلوى كالحلوى، لأن الحلوى لا تُفرح بذاتها، وإنما بما تحمله من دلالة القرب، وكذلك البلاء لا يُفرح لألمه بل لما فيه من إشارة خفية تقول للقلب أنت حاضر في عنايتي

البلاء لغة الحبيب حين يشتد القرب، فإذا أحبّك الحق حادثك بما لا يُحادث به غيرك، لا لأنك أقوى، بل لأنك أصدق في القابلية، فاللطف مفهوم، أما البلاء فسر، والسر لا يُلقى إلا في قلبٍ تجرّد. البلاء ليس قسوة ولا انتقامًا ولا اختبارًا بالمعنى السطحي، بل تكثيف حضور، كأن الحق يقول للقلب أريدك لي لا لنفسك، وحين تُنتزع النفس من مركز المشهد يبدأ الفهم، ويصير السؤال ليس لماذا حدث هذا بل مع من أنا الآن


الذي يفرح بالبلوى ليس لأنه تجاوز الألم، بل لأنه تجاوز التفسير، فصار يرى الفاعل قبل الفعل، والمرسِل قبل الرسالة، فكل ما يأتي من الحبيب حبيب، وإن جاء في ثوب الوجع. فالضربة من يد العدو وجع، أما من يد الحبيب فهي إشارة، والقلب إذا امتلأ بالمحبوب لم يعد يتوقف عند شكل الوارد بل عند من أورده، وهنا تتحول البلوى من محنة إلى مناجاة، ومن كسر إلى فتح، ومن ألم إلى اصطفاء
يظن الناس أن البلاء امتحان وكأن الحق يجهل ما في القلوب، والعارف يعلم أن البلاء كشف لا للحق بل للقلب، يكشف ما بقي من تعلّق، وما لم يُنقَّ من خوف، وما لم يتحرر من توقّعات. البلاء لا يأتي ليسقطك، بل ليسقط ما ليس منك، فإذا سقط الزائد بقي الصادق، وإذا بقي الصادق ذاق القلب طعم الراحة في عين العناء، وهنا سر الفرح، لا فرح الجسد بل طمأنينة المعنى


الحب الإلهي لا يُجامل، هو حب يُنقّي ويُعرّي ويُفرغ، يفرغك من نفسك حتى لا يبقى فيك إلا قابلية القرب، ولذلك كل بلاء يُقاس بدرجة الحب لا بدرجة الألم، قد يبكي الجسد، وقد يئن الظاهر، لكن الباطن ساكن لأنه يعرف أن ما دام الحق حاضرًا فكل ما سواه محتمل


الفرح بالبلوى ليس مقام العامة ولا الخاصة، بل مقام من استوت عنده الأحوال، لا لأن الأحوال واحدة، بل لأن الشهود واحد، فمن شهد الحق في النعمة وشهده في البلاء لم يعد عبدًا للتقلّب بل صار ساكنًا في حضرة الثبات، لا يتأرجح مع القبض ولا يغتر بالبسط، لأنه لم يعد يرى الأحوال بل يرى المُحوِّل
وهكذا تصير البلوى حلوى لا لأن طعمها سكر، بل لأنها دليل محبة، وكل ما كان دليل محبة كان جميلًا وإن آلم، فالعارف لا يطلب البلاء ولا يعشقه لذاته، بل يعشق الحق، فإذا جاء البلاء استقبله بالفهم لا بالاعتراض، وحين يفهم القلب يسكن، وحين يسكن يرى، وحين يرى يبتسم حتى وهو ينزف، وهنا تنتهي الحيرة ويبدأ السلام، ويفرحون بالبلوى كالحلوى لأن الحبيب واحد، وكل ما يأتي منه جميل