أحبك لأنني أفيض، لا لأنني أنقص

أحبك لأنني أفيض، لا لأنني أنقص

كيف تحب من الامتلاء لا من الاحتياج؟

كثيرا ما قيل لنا إن الحب رحلة بحث عن النصف الآخر، وكأن الإنسان يولد نصفا، ثم يمضي عمره باحثا عن شخص يكمله. كأن وجودنا ناقص بطبيعته، وكأن سعادتنا مؤجلة حتى يظهر ذلك الإنسان الذي يحمل القطعة المفقودة منا

لكن ماذا لو كانت هذه الفكرة هي التي جعلت الحب مؤلما إلى هذا الحد؟

ماذا لو أن بحثنا المستمر عمن يكملنا جعلنا نضع على كاهل الحبيب مهمة لا يستطيع إنسان أن يؤديها؟ مهمة أن ينقذنا من وحدتنا، ويمنحنا قيمتنا، ويطمئن خوفنا، ويرمم طفولتنا، ويثبت لنا كل يوم أننا نستحق أن نكون محبوبين

نحن لا ندخل العلاقة دائما لأننا نريد أن نحب، بل لأننا نريد أن نهرب من شيء في داخلنا. نهرب من الفراغ، أو الخوف، أو الشعور بأننا غير كافين. نبحث عن إنسان يقول لنا: أنت جميل، لأننا لم نتعلم أن نرى جمالنا. ونبحث عمن يقول: لن أتركك، لأننا لا نعرف كيف نبقى مع أنفسنا. ونطلب من الآخر أن يختارنا كل يوم، لأننا لم نختر أنفسنا بعد

وهنا يتحول الحب من لقاء بين روحين إلى عقد إنقاذ غير معلن

أنا أمنحك حبي، بشرط أن تمنحني الأمان
أقترب منك، بشرط ألا تبتعد
أعطيك قلبي، بشرط أن تظل مسؤولا عن طمأنينته

وهذا ليس حبا خالصا، بل خوف ارتدى ثياب الحب

الحب الناضج لا يبدأ حين تجد من يكملك، بل حين تتوقف عن الاعتقاد بأنك نصف. حين تدرك أنك إنسان مكتمل الوجود، حتى وإن كنت تحمل ضعفا ونقصا وتجارب لم تُشفَ بعد. فالاكتمال هنا لا يعني الكمال المطلق، ولا يعني أنك لا تحتاج إلى أحد، ولا أنك بلغت مرحلة لا تحزن فيها ولا تخاف. إنما يعني أنك لا تجعل إنسانا آخر مسؤولا عن منحك الحق في الوجود

أن تكون مكتملا يعني أن تعرف قيمتك قبل أن يصفق لك أحد، وأن تعرف من تكون قبل أن تنتسب إلى علاقة، وأن تستطيع الجلوس مع وحدتك دون أن تركض إلى أول قلب يفتح لك بابه

حينها فقط يتغير معنى الحب

لن تقول للحبيب: جئت لتملأ فراغي
بل ستقول: جئت لأشاركك امتلائي

لن يكون وجوده علاجا لحياتك، بل جمالا يضاف إليها. لن يصبح الهواء الذي تتنفسه، بل نسمة تحب مرورها. لن يكون الأرض الوحيدة التي تقف عليها، بل رفيقا يسير إلى جانبك وأنت قادر على الوقوف

وهذا لا يقلل من قيمة الحبيب، بل يحرره من دور المنقذ

فما أقسى أن تحب إنسانا يطلب منك كل يوم أن تثبت له أنه يستحق الحب. وما أتعب أن تصبح مسؤولا عن مزاجه وثقته بنفسه وسلامه الداخلي. قد تمنحه كل ما تملك، ومع ذلك سيظل خائفا؛ لأن الطمأنينة التي لا تنبع من الداخل لا يستطيع الخارج أن يحافظ عليها طويلا

الحبيب يستطيع أن يساندك، لكنه لا يستطيع أن يعيش بدلا منك. يستطيع أن يذكرك بجمالك، لكنه لا يستطيع أن يبني صورتك عن نفسك وحده. يستطيع أن يمسك يدك في الطريق، لكنه لا يستطيع أن يمشي خطواتك

إن دخلت الحب وأنت جائع، ستلتهم كل اهتمام ثم تطلب المزيد. ستفسر تأخر الرسالة إهمالا، والصمت رفضا، والانشغال تخليا. ستراقب الحبيب لا لأنك تحبه، بل لأنك تخشى أن تفقد المصدر الذي تستمد منه قيمتك

أما إذا دخلت الحب من الامتلاء، فستستمتع بالقرب دون أن تخاف المسافة. ستفرح باللقاء دون أن تعتبر الغياب خيانة. ستقول ما تشعر به بصدق، لكنك لن تتسول البقاء. ستحب الآخر كما هو، لا كما تحتاج أن يكون

الحب من الامتلاء لا يعني البرود، ولا يعني أن تقول: أنا لا أحتاج إليك أبدا. فنحن بشر، نحتاج إلى الأنس والمشاركة والاحتواء. لكن هناك فرقا بين الاحتياج الإنساني الطبيعي وبين الاعتماد الذي يمحو الذات

أن أحتاج قربك أحيانا أمر جميل
لكن أن أعجز عن معرفة نفسي دونك، فذلك ألم لا حب

أن أشتاق إليك يعني أن حضورك محبوب
لكن أن أنهار كلما ابتعدت، يعني أنني وضعت حياتي كلها في يديك

الحب الواعي هو أن أفتح لك باب قلبي، لا أن أسلمك مفتاح وجودي كله. أن أسمح لك بأن تلمس روحي، دون أن أجعلك مالكا لها. أن أقول لك: اخترتك، لا لأنني عاجز عن العيش دونك، بل لأن الحياة معك تحمل معنى وجمالا إضافيين

إن أجمل العلاقات ليست علاقة شخص ضعيف بشخص قوي، ولا علاقة تائه بمنقذ، بل علاقة إنسانين عرف كل منهما طريق العودة إلى نفسه

يلتقيان لا ليذوبا حتى يختفي كل واحد منهما، بل ليصنعا مساحة ثالثة اسمها «نحن»، دون أن يموت فيها «أنا» و«أنت»

في الحب غير الناضج، يعتقد أحد الطرفين أن الاتحاد يعني إلغاء الحدود. يريد أن يعرف كل شيء، ويشارك كل شيء، ويمتلك كل الوقت. أما الحب الناضج فيعرف أن القرب الحقيقي لا يحتاج إلى ابتلاع الآخر

أحبك، ولذلك أحترم مساحتك
أحبك، ولذلك لا أجعلك نسخة مني
أحبك، ولذلك لا أطالبك بأن تتخلى عن نفسك كي تطمئن مخاوفي

والامتلاء لا يأتي من ترديد عبارات إيجابية أمام المرآة فقط، بل من بناء علاقة حقيقية مع الذات. أن تعرف جراحك، وتتحمل مسؤولية شفائها. أن تسأل نفسك: لماذا أخاف الهجر؟ لماذا أتعلق بسرعة؟ لماذا أظن أن ابتعاد إنسان يعني أنني بلا قيمة؟

كل سؤال تواجهه بصدق يعيد إليك جزءا من قوتك

حين تصالح وحدتك، لن تقبل بأي علاقة فقط كي لا تبقى وحدك. وحين تعرف قيمتك، لن تعتبر الإهمال نوعا من الحب. وحين تتعلم احتضان نفسك، لن تبقى عند باب إنسان لا يعرف كيف يحتضنك

عندها يصبح اختيارك أكثر نقاء. لن تختار من يملأ الفراغ الأسرع، بل من يستطيع أن يشاركك الطريق. ولن تنجذب فقط إلى من يشعل قلقك، بل إلى من يمنح روحك الأمان دون أن يسلبها الحرية.

الحب الحقيقي ليس أن أقول لك: أنت كل حياتي. فقد يكون في هذه العبارة جمال شعري، لكنها تصبح خطرة حين تتحول إلى حقيقة نفسية. أنت جزء عزيز من حياتي، لكن لي ذاتي ورسالتي وأصدقائي وأحلامي وعلاقتي بربي

أنا لا أحبك لأن حياتي خالية، بل لأن في حياتي متسعا لك

ولا أطلب منك أن تكملني، لأنني لا أريد أن أحملك عبء النصف المفقود. أريدك أن تأتي كاملا بضعفك وقوتك، وأن آتيك كاملا بضعفي وقوتي. لا كاملين كمالا لا نقص فيه، فهذا ليس للبشر، بل مكتملين في حقنا في الوجود، وفي مسؤوليتنا عن أنفسنا

نلتقي لأن اللقاء جميل، لا لأن الفراق موت
نبقى لأن البقاء اختيار، لا لأن أحدنا أسير الآخر
نحب لأن في داخلنا حبا يفيض، لا لأن في داخلنا حفرة نريد من أحد أن يسقط فيها

وحين تحب بهذه الطريقة، يصبح الحب أخف وأعمق في الوقت نفسه. لا تعود مشغولا بالامتلاك، بل بالحضور. ولا تسأل دائما: ماذا أعطاني؟ بل تسأل أيضا: من أصبحت وأنا أحبه؟

فالحب الذي ينقصك ليس حبا، والحب الذي يمحوك ليس اتحادا، والحب الذي يجعلك تتخلى عن كرامتك ليس تضحية

الحب الحقيقي يعيدك إليك بصورة أصفى

وفي نهاية الأمر، لست بحاجة إلى نصف آخر؛ لأنك لست نصف إنسان. أنت روح كاملة القيمة، تمشي في الحياة وتتغير وتتعلم وتنضج. وقد تلتقي روحا تحبها، فتسيران معا زمنا أو عمرا

وحينها لن تقول لها: أكملتني

بل ستقول

كنت نهرا قبل أن أعرفك، وكان في داخلي ماء يكفيني. لكنك حين جئت، لم تنقذني من الجفاف، بل صرت ضفة جميلة يسعدني أن أعبر الحياة بمحاذاتها

أنا لا أحبك لأنني ناقص

أنا أحبك لأنني أفيض